نفاد الشحن
رواية آيفون 15 برو ماكس
قصة همام
الفصل الأول — القبول
سألني همام، وهو يحرّك ملعقة صغيرة في كوب شاي بارد منذ زمن: "أتعرف ما هو أغرب ما يعلّمه الفقر للإنسان؟"
قلت: ماذا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة، خرجت من صدره كأنها سعال مكتوم: "أنه يعلّمك الرياضيات أفضل من أي أستاذ جامعي."
وقبل أن أستوعب دعابته، أردف: "منذ كنت في السابعة من عمري، وأنا أحسن الحساب. لا حساب جداول الضرب، بل حساباً آخر: إن اشتريت الخبز اليوم، بقيت بلا أجرة للحافلة غداً. وإن دفعت فاتورة الكهرباء، انكسر جدول الطعام إلى نصفين. الفقر يعلّم الإنسان رياضيات لا تُدرَّس في الجامعات، لكنه يفهمها أعمق من أي معادلة."
صمت لحظة، وعيناه تحدّقان في نقطة بعيدة، ثم أضاف: "والطريف أنني دخلت الجامعة لأدرس الرياضيات فعلاً. ضحك مني بعض من عرفوني، وقالوا: 'همام، أنت أصلاً عالم رياضيات منذ زمن، الحياة درّستك.' لكن الحقيقة..."
توقف. ابتلع ريقه. ثم أكمل بصوت تغيّر فجأة، كأن إنساناً آخر خلع القناع الذي كان يرتديه طوال الجلسة:
"الحقيقة أنني لم أتعلم شيئاً. لأن كل حساباتي، من أول يوم إلى آخر يوم، جاءت خاطئة."
صيف عام 2023
كانت اللحظة التي شاهد فيها اسمه على قائمة القبول أشبه بلحظة يمسك فيها غريقٌ حبلاً، دون أن يعرف إن كان هذا الحبل سيوصله إلى الشاطئ، أم سيجرّه إلى أعمق الماء.
ظهر اسمه على شاشة النتائج: همام — كلية العلوم / قسم الرياضيات / مسائي.
من حوله، كان الطلاب يصرخون فرحاً، يعانقون ذويهم، يلتقطون صوراً للشاشة ليرسلوها لأقارب بعيدين. أصوات ضحك، أصوات دعاء بالتوفيق، احتفال صغير عفوي يتكرر في كل قاعة امتحان حول العالم.
أما همام، فوقف وحيداً. لم يكن هناك من يعانقه. لم يكن هناك من ينتظره خارج القاعة.
أخرج هاتفه القديم، ذا الشاشة المتصدّعة من إحدى زواياه، وكتب لزوجته رسالة واحدة: "قُبلت."
جاء الرد خلال ثوانٍ: "الحمد لله! ألف مبروك يا حبيبي 🌹"
حدّق في الرسالة طويلاً. كان القلب الأحمر الصغير على الشاشة أجمل ما رآه في ذلك اليوم. لكن بينما كان يبتسم، وصلته رسالة ثانية من الرقم نفسه، بعد دقيقة واحدة:
"وبعدين حبيبي... كيف سنرتب قسط الجامعة؟"
سؤال بسيط، بريء تماماً، سقط عليه كحجرٍ في مياه ساكنة.
فبينما كان كل من حوله يفكر في التخصص الذي سيختاره والمستقبل الذي ينتظره، كان همام يفكر في شيء واحد فقط: من أين سآتي بألف دولار في السنة، وأنا أصلاً لا أعرف من أين آتي بثمن الحليب في الشهر؟
كان بيته، في حيٍّ بسيط على أطراف بغداد، صغيراً لكنه مليء.
مليء بخمسة أطفال، تتراوح أعمارهم بين سنة وسبع سنوات، كل واحد منهم يحتاج شيئاً: حليباً، دواءً، ملابس مدرسية، لعبة بسيطة تجعله يشعر أنه طفل عادي كسائر الأطفال.
مليء بزوجة تحبه وتخاف عليه أكثر من خوفها على نفسها، تُعدّ له الشاي في الليل وتسأله: "ما بك ساكت هكذا؟" وهي تعرف الجواب مسبقاً، لكنها تسأل فقط لتسمع صوته.
ومليء — وهذا الجزء الذي يصعب على همام أن يبوح به بصوت مرتفع — مليء بفراغ. فراغ بحجم أبٍ لم يعرفه همام يوماً.
مات والده وهمام لا يزال طفلاً في سنة ونصف من عمره. لا صورة يتذكرها، لا صوت يعرفه، ولا حتى حضنٍ واحد يستطيع أن يستعيده في ذاكرته. كل ما يملكه هو حكايات الآخرين: "كان والدك رجلاً طيباً"، "كان يعمل بجد"، "لو رآك والدك الآن، لافتخر بك."
جمل جاهزة، متكررة، لا تسدّ فراغاً، بل تذكّرك بوجوده فحسب.
قال لي همام، وقد انكسر صوته لأول مرة في جلستنا: "هناك من يتحدث عن الأب كأمر عادي. 'أبي غضب مني'، 'أبي ساعدني'. أما أنا، فطوال حياتي، لا أعرف كيف أقول هذه الجملة. أبي؟ أنا أبٌ لخمسة أطفال، ولا أدري كيف يكون المرء ابناً."
بعد ثلاثة أيام من القبول، جلس همام يحسب على ورقة ممزّقة من دفتر قديم:
قسط الجامعة: ألف دولار سنوياً.
مصروف البيت الشهري: يتجاوز بكثير أي دخل ثابت لديه.
عمله السابق قبل الدراسة: بالكاد يكفي لسد الرمق، ومستحيل أن يفي بقسط إضافي.
نظر إلى الورقة طويلاً، والأرقام ترقص أمامه كأنها أعداء صغار يسخرون منه.
وفي تلك اللحظة بالضبط، رنّ هاتفه.
كان كريم.
[نهاية الفصل الأول — بالفصحى الكاملة]
الفصل الثاني — الفكرة
ردّ همام على الهاتف، وجاء صوت كريم مبتهجاً من الطرف الآخر: "همام! ألف مبروك يا بطل، سمعت أنك قُبلت!"
"الله يبارك فيك."
"ما بك؟ صوتك ليس سعيداً، اليوم يوم فرح."
ضحك همام ضحكة متعبة، وقال: "فرحان يا كريم، لكن... هناك فرحة وهناك حساب. وأنا الآن في الحساب."
صمت كريم لحظة، ثم قال بجدية مفاجئة: "تعال نلتقِ. لديّ حديث معك."
التقيا في مقهى صغير قرب الجامعة، من ذلك النوع الذي تكون كراسيه مكسورة وطاولاته مائلة، وسعر الشاي فيه زهيد لأن المكان مصمم أصلاً للطلاب المعدمين أمثالهما.
قال لي همام، وهو يستعيد ذلك اليوم: "بدأ كريم يحدثني عن مشروع، وأول ما فعلته أنني ضحكت. قلت له: 'يا أخي، أنا طالب رياضيات لا اقتصاد، ما هذا الحديث؟' لكن بعدما أكمل، بدأت ضحكتي تتحول إلى جدية أكبر."
كان المشروع، كما شرحه كريم، بسيطاً على الورق: يشتري هاتف آيفون بسعر الجملة من معرض يعرفه، يبيعه بربح صغير خلال أيام، ويكرر العملية، ويستثمر الربح الصغير حتى يكبر شيئاً فشيئاً.
"يا همام،" قال كريم وهو يميل بكرسيه المكسور، "الفكرة سهلة. ليست تجارة كبيرة، بل دورة سريعة. تشتري، تبيع، تشتري، تبيع. خلال أسبوعين تسدد قسط الجامعة، ويبقى معك فائض."
سأله همام: "وإن خسرت؟"
ضحك كريم ضحكة واثقة، الضحكة التي تذكّرها همام لاحقاً بمرارة: "خسارة ماذا؟ الآيفون لا تنخفض قيمته بين ليلة وضحاها! هذا ليس كبيع خضار يفسد، هذا ذهب مغلّف بعلبة!"
قال لي همام، بصوت فيه سخرية من نفسه: "أتدري ما الطريف في الأمر؟ أنني، طالب رياضيات، صدّقت جملة 'الآيفون لا تنخفض قيمته' دون أن أجري حتى حساباً بسيطاً. وكأنني نسيت كل ما درسته في الكلية، بل نسيت حتى الرياضيات التي علّمني إياها الفقر منذ الصغر."
سألته: ما الذي جعلك تصدّق بهذه السهولة؟
فكّر قليلاً، وقال: "لأن كريم لم يكن يكذب عليّ. كان هو نفسه مصدّقاً. وكلانا، في تلك اللحظة، كنا متعبَين بما يكفي لنصدّق أي حديث جميل."
ثم أضاف جملة بقيت عالقة في ذهني حتى الآن: "أتعرف أخطر شيء؟ ليس الكاذب هو من يخدعك. أخطر شيء هو الصديق الصادق الذي يخدع نفسه، ويأخذك معه بصدق تام."
في تلك الليلة، جلس همام على سرير بيته البسيط، وزوجته نائمة إلى جانبه، وأصغر أطفاله، طفلة في عامها الأول، نائمة على صدره تتنفس بهدوء يريح القلب.
نظر إليها طويلاً، وفكّر: "مات أبوها — أي أبي — وعمري سنة ونصف. وهذه، إن أصابني مكروه، ستكبر بلا أب في العمر ذاته تقريباً."
أخافته الفكرة، لكنها في الوقت نفسه دفعته: يجب أن أضمن مستقبلها. يجب ألا أدعها تعيش الفراغ نفسه الذي عشته أنا.
أخرج من جيبه ورقة صغيرة كتب عليها، منذ زمن، بيتاً من الشعر قرأه في كتاب مدرسي ولم يفهم عمقه حينها:
"أُعَلِّلُ النَفسَ بِالآمالِ أَرقُبُها ... ما أَضيَقَ العَيشَ لَولا فُسحَةُ الأَمَلِ"
قرأه بصوت خافت كي لا يوقظ الطفلة النائمة على صدره، وهمس لنفسه: "يقول أبو العلاء إن الأمل يوسّع العيش الضيق. حسناً... دعني أوسّعه."
لم يكن يعرف، في تلك اللحظة، أن الأمل نفسه الذي سيعلّل به نفسه، هو الذي سيضيّق عليه عيشه أكثر من أي فقر عرفه في حياته.
في الصباح، اشترى همام هاتفه الأول — آيفون 13 برو ماكس.
وقّع على وصل الشراء بيد ترتجف من فرحة غريبة، فرحة إنسان وجد أخيراً باباً يظنه باب النجاة.
لم يكن يعرف، وهو يمسك العلبة البيضاء اللامعة بين يديه، أنه في تلك اللحظة بالذات، بدأ عداً تنازلياً لن يتوقف إلا بعد أن يخسر كل ما كان يملكه، وأشياء لم يكن يملكها أصلاً.
[نهاية الفصل الثاني — بالفصحى الكاملة]
الفصل الثالث — آيفون 13 برو ماكس
باع همام هاتفه الأول بعد أربعة أيام، وربح مبلغاً بسيطاً، أقل من أجرة يوم عمل عادي، لكنه بدا له أشبه بمعجزة صغيرة.
قال لي، وهو يبتسم بمرارة: "أتدري ما الطريف؟ فرحت بهذا المبلغ الصغير أكثر مما فرحت يوم قُبلت في الجامعة. غريبة هي الدنيا... الفرحة الحقيقية الكبيرة لم تُفرحني، أما الفرحة الصغيرة الوهمية، فجعلتني أطير من الفرح."
سألته: وماذا فعلت بالربح؟
"اشتريت هاتفاً ثانياً، بالطبع. ماذا أفعل به، أسدد قسطاً؟ لا يا أستاذ، هذا ليس تفكير التاجر الناجح!" وضحك ضحكة ساخرة من نفسه، "التاجر الناجح، بحسب كريم، يعيد استثمار الربح. وأنا، غبياً بما يكفي، صدّقت أنني صرت تاجراً ناجحاً بعد أربعة أيام فقط."
كرّرها ثلاث مرات خلال أسبوعين. في كل مرة كان يشعر أن يده أصبحت "خفيفة" في التجارة، وأن الأرقام أخيراً بدأت تخدمه، لا العكس.
في تلك الأثناء، بدأ همام يتابع مجموعات بيع وشراء الهواتف على تطبيقات التواصل، بحثاً عن صفقات أسرع وأكبر من صفقاته المتواضعة.
وهناك، في إحدى هذه المجموعات، تعرّف على حساب يبدو موثوقاً تماماً: صور حقيقية لهواتف، تقييمات إيجابية كثيرة من "مشترين سابقين"، وحديث ودود يوحي بالخبرة والصدق.
عرض عليه صاحب الحساب دفعة كبيرة: عشرة هواتف آيفون 15 برو ماكس، بسعر أرخص بكثير من سعر السوق، بحجة أنها "دفعة مستوردة مباشرة، قبل وصولها رسمياً للمعارض."
اتصل همام بكريم مسرعاً، وصوته كصوت طفل وجد لعبة طالما حلم بها:
"كريم! وجدت فرصة العمر!"
"ما الأمر، اهدأ قليلاً!"
"عشرة آيفون 15 برو ماكس دفعة واحدة، بسعر لا يُصدق! لكن يجب أن أحوّل المبلغ الآن، فوراً، قبل أن تنفد الكمية!"
صمت كريم لحظة على الخط، وقال بحذر واضح: "همام، اسمع... لم نجرّب من قبل الشراء عبر الإنترنت من شخص لا نعرفه. هذا مختلف عن المعرض الذي نثق به. تحقق أكثر قبل أن تحوّل أي مبلغ."
"كريم، إن لم أحوّل الآن، ستفوتني! هناك أشخاص آخرون يريدونها!"
"حسناً، لكن انتبه... لا تحوّل كل ما تملك دفعة واحدة. اطلب أن تراها أولاً، أو أن يكون الدفع عند الاستلام."
طلب همام ذلك فعلاً، لكن صاحب الحساب اعتذر بلباقة: "الدفعة محجوزة لعدة مشترين، من يحوّل أولاً يحصل عليها. آسف، هذه سياسة الاستيراد المباشر، لا نستطيع تغييرها."
قال لي همام، وهو يستعيد تلك المكالمة بصوت مليء بالندم: "كريم كان أذكى مني في تلك المرة، يا أستاذ. أذكى مني بكثير. لكنني لم أسمعه. كنت أسمع صوتاً واحداً فقط في رأسي، يقول: 'هذه هي، همام، هذه ستُخلّصك.' وليتني كنت أعرف حينها أن الصوت نفسه هو الذي يحدّثك في المقامرة، وفي كل ما يعدك بخلاص سريع."
سحب كل ما ادّخره، واقترض الباقي من أحد أقاربه، بحجة "مصروف جامعي إضافي" — كذبة لم يحبها، لكنه قالها لأنه لم يحتمل أن يرى وجه قريبه وهو يسأله: "لماذا تحتاج هذا المبلغ فعلاً؟"
حوّل المبلغ كاملاً عبر تطبيق تحويل إلكتروني، وانتظر تأكيد الشحن.
مرّت ساعة. ثم يوم. ثم يومان.
حاول التواصل مع صاحب الحساب، فوجد أن الحساب قد اختفى تماماً — لا صور، لا محادثات سابقة، لا أي أثر يدل على وجوده أصلاً. كأن شخصاً لم يكن قد كان.
جلس همام أمام هاتفه، يحدّث الصفحة مرة تلو الأخرى، وكأن التحديث القادم سيعيد الحساب المختفي، أو يعيد المبلغ الذي اختفى معه.
لم يحدث شيء.
قال لي: "في تلك اللحظة، لم أفهم فقط أنني خسرت المال. فهمت أن شخصاً ما، لا أعرف حتى وجهه، جلس خلف شاشة في مكان ما، ودرس بدقة كل نقطة ضعف فيّ — استعجالي، خوفي من فوات الفرصة، ثقتي الزائدة — واستخدمها ضدي بكل هدوء، وكأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً."
في تلك الليلة، عاد همام إلى البيت متأخراً، وزوجته كانت لا تزال مستيقظة تنتظره، كعادتها كل ليلة.
سألته: "ما بك؟ وجهك أصفر."
ابتسم لها ابتسامة مصطنعة، وقال: "لا شيء، متعب فقط من الدوام."
كذبة صغيرة، أول كذبة في سلسلة طويلة من الكذبات التي سيقولها لها في الأشهر القادمة.
قال لي همام، وقد انكسر صوته لأول مرة بوضوح تام في جلستنا: "أتدري ما أصعب لحظة عشتها؟ ليست لحظة الخسارة. لحظة الخسارة كانت مجرد رقم على شاشة هاتف. أصعب لحظة كانت حين سألتني زوجتي 'ما بك؟' وأنا كذبت عليها. لأنني في تلك اللحظة، فهمت أنني لم أخسر مالاً فقط... خسرت صدقي معها، وهذا كان أغلى ما بيننا."
توقف، مسح دمعة بسرعة وكأنه يخجل منها، ثم أكمل: "والأصعب من هذا كله؟ أنني، في الليلة نفسها التي كذبت فيها على زوجتي، دخلت غرفة أطفالي، ورأيت ابنتي الصغيرة نائمة، وقلت في قلبي: 'يجب أن أعوّض لها كل شيء. يجب ألا أدعها تشعر بهذا الخوف الذي أشعر به الآن.' وبدلاً من أن يوقفني هذا الشعور، زادني إصراراً على المتابعة. وهذا، يا أستاذ، هو أخطر ما في الطمع: أنه يرتدي ثوب الحب، ويقنعك أنك تفعل كل هذا 'من أجلهم'، بينما أنت في الحقيقة تفعله هرباً من خوفك أنت."
[نهاية الفصل الثالث — بالفصحى الكاملة، والخسارة الكبرى الآن عبر نصب إلكتروني]
الفصل الرابع — محاولة النجاة
مرّ أسبوعان على النصب الإلكتروني، وهمام لا يزال يحمل الخبر وحده، كجرح مخفي تحت قميص لا يخلعه أمام أحد.
لم يخبر زوجته بحجم الخسارة الحقيقي. قال لها إنه "خسر مبلغاً بسيطاً في تجارة لم تنجح"، وابتسمت له، وقالت: "لا بأس حبيبي، المهم أنك بخير." ولم تكن تعرف أن "المبلغ البسيط" كان يعادل قسط الجامعة بأكمله، وأكثر.
قال لي همام: "كانت تلك الابتسامة أثقل من أي عتاب. لو عاتبتني، كنت سأشعر أنني أدفع ثمن خطئي. لكنها لم تعاتبني، فبقيت مديناً بذنب لا يُسدد."
في الجامعة، لاحظ الدكتور سالم، أستاذ مادة التحليل الرياضي، أن همام بدأ يتغيّب عن المحاضرات، وأن علاماته في الاختبار القصير تراجعت بشكل ملحوظ رغم أن همام كان من أفضل طلابه في الفصل الأول.
استدعاه بعد المحاضرة، وسأله بصوت هادئ: "همام، ما الذي يحدث؟ أنت أفضل من هذا بكثير."
حاول همام أن يبتسم: "ظروف يا دكتور، لا شيء يستحق القلق."
نظر إليه الدكتور سالم نظرة طويلة، ثم قال جملة سيتذكرها همام لسنوات: "الأرقام لا تكذب يا همام. أنت من يكذب على نفسه بها."
لم يفهم همام حينها عمق هذه الجملة. ظنها مجرد نصيحة أستاذ عابرة. لكنها، كما قال لي لاحقاً، كانت أدق وصف لما كان يحدث له: "كنت أحسب الأرقام على الورق بدقة متناهية، لكنني كنت أكذب على نفسي في كل قرار أتخذه بناءً عليها."
الديون بدأت تتراكم: قرض القريب الذي اقترضه بحجة "مصروف جامعي"، أقساط متأخرة على الكهرباء والماء، ودَين صغير عند بائع الخضار في الحي الذي بدأ يتردد في منحه السلفة المعتادة.
في إحدى الليالي، جلس همام يحسب مجدداً، وهذه المرة لم تكن الأرقام تتراقص أمامه كأعداء صغار، بل كجدار مصمت لا منفذ فيه.
اتصل به كريم، الذي كان يشعر بذنب مضاعف تجاه صديقه، وقال له: "همام، أنا آسف. لو لم أقترح عليك الفكرة من الأساس..."
قاطعه همام: "لا يا كريم، أنت لم تجبرني على شيء. أنا من اتخذ القرار الأخير، وأنا من صدّق حساباً بلا دليل."
قال لي همام: "كريم أيضاً كان يعاني من ديونه الخاصة في تلك الفترة، لكنه ما زال يتصل بي كل يوم، ليس ليعتذر فقط، بل ليطمئن أنني لم أفعل شيئاً بحق نفسي. كان صديقاً حقيقياً حتى في أسوأ لحظاتي، وهذا جعل الأمر أصعب: كنت أتمنى لو كان شخصاً سيئاً، لأستطيع أن ألومه بلا تردد."
بعد أسبوعين من الصمت والحساب، وجد همام نفسه أمام قرار: إما أن يعترف بالهزيمة، ويخبر زوجته بكل شيء، ويطلب مساعدة أهله، ويتحمل نظرات الشفقة التي يخشاها أكثر من الفقر نفسه...
أو أن يحاول مرة أخيرة، بحذر أكبر هذه المرة، ليعوّض كل شيء دفعة واحدة.
باع بعض الأثاث المنزلي البسيط دون علم زوجته، وجمع مبلغاً صغيراً إضافياً من عمل إضافي ليلي في محل بقالة قريب، واشترى هاتف آيفون 15 برو ماكس واحداً، بحذر، من معرض موثوق هذه المرة، لا من حساب مجهول على الإنترنت.
باعه بربح جيد خلال أسبوع.
وللمرة الأولى منذ النصب، شعر همام بأن الأمل يعود إليه — أمل حذر، هش، لكنه حقيقي.
قال لي: "في تلك اللحظة بالضبط، كان بإمكاني أن أتوقف. كان عندي فائض بسيط، يكفي لتسديد جزء من الديون العاجلة. لو توقفت هناك، ربما كانت هذه القصة تنتهي بشكل مختلف تماماً."
سألته: ولماذا لم تتوقف؟
صمت طويلاً، ثم قال: "لأن الفائض البسيط جعلني أرى صورة أكبر: سيارة تنقلني بلا تعب المواصلات، سداد كامل للديون، حفلة تخرج بسيطة أفرح بها أطفالي، وربما أخيراً أقترب من ذلك الحلم البعيد الذي طالما أجّلته — حلم استقرار حقيقي، حياة كريمة، بيت لا يهتز فيه الأمان مع كل فاتورة. سمّيته في ذهني 'آية'، لأنه كان يبدو لي وقتها معجزة بعيدة المنال."
توقف قليلاً، ثم أضاف بصوت أشبه بالهمس: "فكّرت: صفقة واحدة أخيرة، أكبر قليلاً، وأصل لكل هذا دفعة واحدة. لم أكن أعرف أن هذه الجملة بالذات، 'صفقة واحدة أخيرة'، هي نفسها التي كررتها قبل النصب الإلكتروني. الإنسان، كما اكتشفت متأخراً، لا يتعلم من الألم بقدر ما يتعلم كيف يبرر تكراره."
[نهاية الفصل الرابع — بالفصحى الكاملة]
الفصل الخامس — الصفقة الأخيرة
قرر همام أن يكرر التجربة، لكن بحجم أكبر هذه المرة: خمسة هواتف آيفون 15 برو ماكس دفعة واحدة، من المعرض الموثوق نفسه الذي تعامل معه في المرة الناجحة.
لم يكن الأمر نصباً هذه المرة، ولا خطأً في التقدير السريع. كان، ببساطة، مخاطرة أكبر من قدرته المالية الفعلية.
جمع كل ما تبقى لديه: الفائض من الصفقة الناجحة، مبلغاً اقترضه من كريم نفسه رغم ديونه الخاصة، ومبلغاً أخيراً باع من أجله خاتم زواجه البسيط دون أن يخبر زوجته، بحجة أنه "سيشتريه أفضل منه قريباً."
قال لي همام، وصوته يتقطع وهو يتذكر تلك اللحظة: "بعت خاتم زواجي، يا أستاذ. الشيء الوحيد الذي كان يذكّرني كل يوم بيوم كانت فيه حياتي بسيطة وسعيدة، بعته لأشتري به وهماً جديداً. وقتها لم أشعر بالخسارة. شعرت بها فقط بعدما فات الأوان."
اشترى الهواتف الخمسة. حاول بيعها خلال الأيام التالية، لكن السوق هذه المرة لم يتعاون: منافسة شديدة من تجار آخرين خفّضوا الأسعار بشكل حاد في نفس الفترة، وطلب أقل من المتوقع بسبب توقيت غير موفق قرب نهاية موسم الرواتب الحكومية حين يشح السيولة النقدية لدى معظم الناس.
باع هاتفين بخسارة بسيطة، لكن الثلاثة الباقية ظلت عالقة لديه لأسابيع، بينما مواعيد استحقاق ديونه — قرض القريب، دين كريم، فاتورة الجامعة المتأخرة — كلها اجتمعت في وقت واحد تقريباً.
اضطر أخيراً لبيع الهواتف الثلاثة المتبقية دفعة واحدة لتاجر جملة عرض عليه سعراً زهيداً جداً، مستغلاً حاجته الملحّة للسيولة.
خسر في هذه الصفقة الأخيرة أكثر مما ربح في كل الصفقات السابقة مجتمعة.
في تلك الليلة، لم يعد همام إلى البيت مباشرة. جلس على مقعد حجري في حديقة عامة صغيرة قرب الجامعة، وحيداً، حتى ساعة متأخرة.
قال لي: "لم أبكِ في تلك الليلة، يا أستاذ. كنت قد تجاوزت مرحلة البكاء. كان هناك فراغ فقط، فراغ أكبر من أي فراغ عرفته حتى في غياب أبي. لأن غياب أبي كان قدراً لم أختره، أما هذا الفراغ، فكان صنع يدي أنا."
عاد إلى البيت متأخراً، ووجد زوجته مستيقظة، كعادتها. لكن هذه المرة، لم تسأله "ما بك؟" فقط. سألته سؤالاً آخر، سؤالاً كان يخشاه أكثر من أي سؤال آخر في حياته: "همام، أين خاتم زواجك؟"
نظر إلى يده. نظرت هي إلى يده. وفي تلك اللحظة، انهارت كل الكذبات الصغيرة التي بناها بعناية طوال الأشهر الماضية، دفعة واحدة، أمامها.
أخبرها بكل شيء: النصب الإلكتروني، الديون، خاتم الزواج، محاولاته المتكررة لتعويض الخسارة بخسارة أكبر.
لم تصرخ. لم تبكِ أمامه. فقط قالت، بهدوء أثقل من أي صراخ: "كنت أثق بك أكثر من ثقتي بنفسي، همام. وأنت كنت تكذب علي كل ليلة، وأنا أُعدّ لك الشاي وأصدّق أنك متعب من الدوام فقط."
قال لي همام: "تلك الجملة كانت أقسى من كل خسارة مالية عرفتها. لأنها لم تكن تتحدث عن المال. كانت تتحدث عن شيء أغلى: الثقة التي بنيناها سوياً منذ زواجنا، والتي هدمتها أنا بيدي، حجراً حجراً، كل ليلة كذبت فيها بابتسامة مصطنعة."
سألته: وماذا عن كريم؟ ماذا حدث له؟
أطرق برأسه، وقال: "كريم خسر هو الآخر مبلغه الذي أقرضني إياه. لم يلمني، ولم يعاتبني، وهذا جعل الأمر أثقل. لكن أعرف أنه، هو أيضاً، غرق أكثر بديونه الخاصة بسبب مساعدته لي. صرنا اثنين نغرق سوياً، بدل واحد ينقذ الآخر."
[نهاية الفصل الخامس — بالفصحى الكاملة]
الفصل السادس والأخير — نفاد الشحن
توقف همام عن الحديث لفترة طويلة، وأنا أنتظر، أعرف أننا اقتربنا من نهاية الحكاية، تلك النهاية التي جلست معه لأسمعها منذ البداية.
سألته أخيراً: وماذا حدث بعد ذلك؟ هل عدت للدراسة؟ هل سددت الديون؟
ابتسم ابتسامة حزينة، بلا أي أثر للمرارة الساخرة التي رافقت حديثه في بداية جلستنا، وقال: "لا. لم أعد للدراسة بالكامل. تأخرت في تسجيل المواد، وبعض الأساتذة رفضوا منحي فرصة إضافية، وأنا لم أستطع أن ألومهم. لم أسدد الديون بعد، ما زلت أسددها شهرياً بمبالغ صغيرة من عملي الحالي في البقالة. زوجتي بقيت معي، لكن شيئاً ما تغيّر بيننا، شيء لا أعرف إن كان سيعود يوماً كما كان."
صمت قليلاً، ثم أضاف: "لكن الأصعب، يا أستاذ، ليس ما حدث لي وحدي. الأصعب أنني، حين نظرت حولي بعد كل هذا، وجدت أن قصتي ليست استثناءً."
سألته: ماذا تقصد؟
قال: "أقصد أن حي كامل حولي مليء بشباب مثلي بالضبط. طلاب مسائيون يعملون بالنهار ويدرسون بالليل. شباب معيلون لعائلات كبيرة بلا رواتب ثابتة. اقتصاد لا يرحم، وفرص عمل شحيحة، ومجتمع تعب أصلاً من الحروب والأزمات المتتالية، بحيث لم يعد يملك طاقة يوجّه بها أبناءه نحو طريق أكثر أماناً. كلنا نركض خلف حلول سريعة، لأننا لا نملك ترف الحلول البطيئة. ولهذا، حين تُعرض علينا فرصة تبدو سريعة، لا نحسبها بعقولنا... نحسبها بتعبنا."
نظر إليّ همام نظرة طويلة، وقال جملة ظلت تتردد في ذهني طويلاً بعد أن انتهت جلستنا:
"أتذكر ذلك البيت الذي رددته لنفسي ليلة اشتريت أول هاتف: 'أُعَلِّلُ النَفسَ بِالآمالِ أَرقُبُها... ما أَضيَقَ العَيشَ لَولا فُسحَةُ الأَمَلِ.' كنت أظن أن أبا العلاء يمنحني تبريراً لكل قرار متهور اتخذته، وكأن الأمل وحده كافٍ ليجعل أي مخاطرة مبررة."
توقف، ونظر إلى يديه الفارغتين من أي خاتم، ثم أكمل:
"لكنني فهمت الآن، بعد فوات الأوان، أن أبا العلاء لم يكن يبرر المخاطرة العمياء. كان فقط يصف حقيقة الإنسان الفقير: أنه يحتاج للأمل ليستمر، لا ليقامر. الأمل الذي وصفه كان فسحة صغيرة تجعل العيش الضيق محتملاً، لا باباً مفتوحاً على مخاطرات لا نهاية لها. أنا أخذت الأمل ووسّعته حتى صار أكبر من قدرتي على تحمّله، ولهذا، بدل أن يوسّع عيشي، ضيّقه عليّ أكثر من أي وقت مضى."
سألته سؤالاً أخيراً: لو كان بإمكانك أن تعود لتلك اللحظة، لحظة اتصال كريم الأولى، ماذا كنت ستفعل؟
فكّر طويلاً، ثم قال إجابة لم أتوقعها: "لا أعرف إن كنت سأتصرف بشكل مختلف، يا أستاذ. لأن المشكلة لم تكن في قرار واحد اتخذته. المشكلة كانت في كل الظروف التي جعلت ذلك القرار يبدو معقولاً في تلك اللحظة: فقر منذ الطفولة، غياب أب لم أعرفه يوماً، مسؤولية عائلة كاملة على كتفي وأنا لم أزل شاباً، ومجتمع كامل يركض خلف نفس الأوهام لأنه لا يملك بديلاً آخر."
نظر بعيداً، وقال: "ربما لو وُلدت في ظرف مختلف، في بلد لا تلاحقه الحروب والأزمات جيلاً بعد جيل، كنت سأحسب بشكل مختلف. لكنني وُلدت هنا، في هذا الوقت، بهذا التعب المتراكم منذ أجيال قبلي. وربما هذه، لا الطمع وحده، هي الحكاية الحقيقية التي أردت أن أرويها لك."
أغلقت دفتري في تلك الليلة، وبقيت جملته الأخيرة تتردد في ذهني طويلاً: أن الحياة، كما أراد جمال عبود أن يقول في عمل آخر، لا تُختصر بثنائية الحرب والسلام، ولا حتى بثنائية الحب والسلام وحدها.
أحياناً، تُختصر الحياة بثنائية أقسى: الأمل والاستنزاف. حين يُستنزف إنسان بأمل لم يخترعه هو، بل صنعه له تعب مجتمع بأكمله، جيلاً بعد جيل، حتى ينفد شحنه تماماً، دون أن يكون هناك مذنب واحد يمكن أن يُشار إليه بإصبع الاتهام.
لا انقلاب في النهاية. لا إنقاذ أخير. همام لا يزال، حتى لحظة كتابة هذه السطور، يقف عند نقطة اللاعودة تلك: لا الشهادة اكتملت، ولا الديون انتهت، ولا العائلة توقفت عن الانتظار.
فقط بطارية، نفدت شحنتها ببطء، جملة بعد جملة، قرار بعد قرار، حتى لم يعد هناك ما تُشغّله.
[نهاية الرواية]
التعليقات (0)