من قلب بلاد الرافدين
بوابة عشتار تاريخيا واين هي؟

بوابة عشتار تاريخيا واين هي؟

 

في شارع الموكب وسط بابل القديمة، وقبل أكثر من 2500 سنة، كان الداخل إلى المدينة يمر من تحت بوابة زرقاء ضخمة تلمع تحت شمس العراق وكأنها قطعة من السماء نزلت على الأرض. هذه هي بوابة عشتار، البوابة الثامنة لمدينة بابل، والتي ما زالت إلى اليوم واحدة من أشهر المعالم الأثرية في العالم، رغم أنها لم تعد موجودة في مكانها الأصلي.

من بنى بوابة عشتار ولماذا؟

البوابة بناها الملك نبوخذنصر الثاني حوالي عام 575 قبل الميلاد، وأهداها إلى عشتار، آلهة الحب والحرب عند البابليين. لم تكن البوابة مجرد مدخل للمدينة، بل كانت رسالة واضحة لكل قادم إلى بابل: أنت تدخل أعظم مدينة في العالم. ولهذا لم يبخل نبوخذنصر عليها بشيء، فغطاها بالطوب المزجج الأزرق النادر، وزيّنها بصفوف من الحيوانات المقدسة التي تحرس المدينة رمزياً.

سر اللون الأزرق الذي حيّر العلماء

اللون الأزرق الساحر الذي تشتهر به البوابة لم يكن صدفة. استخدم البابليون تقنية تزجيج الطوب بمادة اللازورد الصناعي، وهي تقنية متقدمة جداً بمقاييس ذلك الزمن. الطريف أن هذا الأزرق بقي محتفظاً ببريقه آلاف السنين تحت الأرض، بينما تبهت أصباغ حديثة خلال سنوات قليلة. وهذا وحده يكفي لتفهم لماذا يعتبر المؤرخون الحرفيين البابليين من أمهر من عمل بالطين والنار في التاريخ.

التنين والثور: ماذا تعني الرسوم على البوابة؟

إذا دققت في صور البوابة ستلاحظ نوعين من الحيوانات يتكرران بانتظام:

  • الموشخوشو: وهو كائن أسطوري برأس تنين وجسم مغطى بالحراشف وأرجل أسد ونسر، وكان رمزاً للإله مردوخ كبير آلهة بابل
  • الثور البري (الأوروخ): رمز الإله أدد إله العواصف والمطر

أما طريق الموكب المؤدي إلى البوابة فكانت تصطف على جدرانه عشرات الأسود، رمز عشتار نفسها. كل حيوان من هذه الحيوانات كان مصنوعاً بالطوب البارز قطعة قطعة، ثم يجمّع على الجدار مثل قطع البازل، بدقة تجعلك تتساءل كيف أنجزوا هذا بلا تقنيات حديثة.

رحلة البوابة من بابل إلى برلين

هنا يبدأ الجزء المؤلم من القصة. بين عامي 1899 و1917، نقّبت بعثة ألمانية بقيادة روبرت كولدواي في موقع بابل، واستخرجت آلاف القطع من طوب البوابة، ثم شُحنت في صناديق إلى ألمانيا. وهناك أعيد تركيب البوابة قطعة قطعة داخل متحف بيرغامون في برلين، حيث تقف اليوم ويزورها الملايين سنوياً.




الذي يقف أمامها في برلين يرى القسم الأمامي الأصغر من البوابة فقط، لأن القسم الأكبر كان أضخم من أن يستوعبه المبنى. أما في موقع بابل الأصلي جنوب بغداد، فتوجد نسخة طبق الأصل بُنيت في سبعينيات القرن الماضي لتذكّر الزائر بما كان هنا.

هل يمكن أن تعود البوابة إلى العراق؟

مطالبات استرجاع الآثار العراقية لم تتوقف، وبوابة عشتار على رأس القائمة دائماً. الموضوع قانونياً معقد لأن التنقيبات جرت في زمن الدولة العثمانية وبتصاريح من سلطات ذلك الوقت. لكن مع تصاعد موجة إعادة الآثار عالمياً في السنوات الأخيرة، يبقى الأمل قائماً أن يأتي يوم نرى فيه الأزرق البابلي يلمع من جديد تحت شمس العراق، في مكانه الذي بُني له.

خلاصة القول

بوابة عشتار ليست مجرد أثر قديم، بل شهادة على أن أرض الرافدين كانت تصنع الجمال والعظمة قبل أن تعرف أوروبا الكتابة أصلاً. وفي كل مرة تشاهد فيها صورتها، تذكّر أن وراء كل طوبة زرقاء يداً عراقية عملت قبل 25 قرناً، وما زال عملها يبهر العالم إلى اليوم.

ما رأيك؟ هل زرت بابل أو شاهدت البوابة في برلين؟ شاركنا تجربتك في التعليقات.

اقرا ايضا:

لغز حضارة أور | موطن النبي ابراهيم ومنبع حضارة الرافدين

اذا كنت مهتما بالصحة اليك مقالا :

الانضباط الذكي: رحلتي من الفوضى إلى قمة الإنجاز


Moamin Bio

Moamin Bio

كاتب في المدونة، شغوف بمشاركة المعرفة والقصص من قلب بلاد الرافدين.

التعليقات (0)

اشترك في نشرتنا البريدية

ليصلك كل جديد من مقالاتنا مباشرة إلى بريدك، بلا إزعاج.

✔ تم الاشتراك بنجاح، أهلاً بك في عائلة رافدين!