حضارة أور: منشأ التاريخ والأسطورة في بلاد الرافدين
تُعد حضارة أور واحدة من أقدم الحضارات في التاريخ، حضارة عظيمة قامت على أراضي بلاد الرافدين التي تُعرف اليوم باسم العراق. وقد ارتبطت هذه المدينة تاريخيًا ودينيًا بالنبي إبراهيم، أبي الأنبياء، عليه السلام، باعتبارها موطنه الأول الذي هاجر منه لاحقًا مع عائلته إلى أرض كنعان، كما تذكر الكتب الدينية. هذا العمر الطويل يكسبها أهمية تاريخية ودينية كبرى لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث.
إنها حضارة أور، تلك الحضارة التي قد يلفها النسيان. وفي هذا المقال، سننطلق في رحلة عبر العصور الغابرة لنتعرف على حضارة أور منذ نشأتها، مرورًا بأهم معالمها الحضارية، وانتهاءً باضمحلالها وسقوطها.
الموقع الجغرافي ونشأة المدينة
تقع مدينة أور التاريخية في محافظة ذي قار جنوب العراق، على بعد حوالي 17 كيلومترًا من مدينة الناصرية، عاصمة المحافظة. وهي تُصنّف كواحدة من المدن السومرية التاريخية الأربع الموجودة في المحافظة، إلى جانب مدن جيرسو، ولَكش، وإريدو.
كانت أور عاصمة السومريين نحو عام 2100 قبل الميلاد. وقد تأسست في جنوب بلاد ما بين النهرين على يد مستوطنين يُعتقد أنهم جاءوا من شمال المنطقة، وذلك في سنة ما من الألفية الرابعة قبل الميلاد، وقيل إنها عام 3800 قبل الميلاد.
ظهرت أور في البداية كقرية صغيرة تقودها، على الأرجح، شخصية تجمع بين سلطة الكاهن والملك (ملك-كاهن). لكن بفضل موقعها الاستراتيجي عند النقطة المحورية التي يصب عندها نهرا دجلة والفرات في الخليج العربي، أصبحت أور خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد مركزًا تجاريًا مهمًا. هذا الموقع ربطها بالاقتصاد العالمي، حتى وصلت تجارتها الخارجية إلى الهند، وعاش أهلها في رخاء منقطع النظير نتيجة لذلك.
كما ساهم الموقع المتميز لأور في ازدهار واستقرار الحياة الزراعية؛ إذ طور أهلها نظام الري ومارسوا أساليب زراعية متطورة.
الملوك الأوائل والسلالات
من المؤسف أننا لا نعرف الكثير عن الملوك الأوائل لأور. كل ما نعرفه هو أن ميساني بادا كان أول ملك سومري لسلالات أور الأولى، وذلك بفضل النقوش المحفورة على القطع الأثرية التي عُثر عليها في مقبرة أور الملكية.
أما سلالة أور الثانية، التي تكونت من أربعة ملوك، فلا تتوفر معلومات كافية عنهم أو عن إنجازاتهم أو عن الحوادث التاريخية التي عاصروها. ويعود سبب هذا النقص إلى أن الكُتاب العراقيين الأوائل لم يروا أهمية في تسجيل أعمال البشر الفانين، وفضلوا ربط الإنجازات البشرية بعمل وإرادة الآلهة، فكتبوا عن الملوك الأبطال القدامى مثل جلجامش، وعن أولئك الذين قاموا بمآثر مبهرة مثل إيتانا، لكنهم لم يولوا الملوك الفانين اهتمامًا مماثلًا.
صعود الإمبراطورية الأكادية وعصر سارغون
لحسن الحظ، تغير هذا التوجه مع صعود سرجون الأكادي إلى السلطة. ادعى سرجون أنه وُلد من زواج كاهنة بإله، وأن أمه وضعته في سلة من القصب حملها النهر حتى وجدها خادم يعمل لدى ملك مدينة لاجاش، ثم اشتهر بفضل المعبودة إنانا بعد أن كان خامل الذكر.
وصل سرجون إلى الحكم وأنشأ الإمبراطورية الأكادية التي وحدت بلاد ما بين النهرين بين عامي 2334 و2083 قبل الميلاد، وحكمت هذه السلالة لما يقرب من قرن من الزمان.
ازدهرت فترة حكم سرجون اقتصاديًا؛ فقد تطورت التجارة وامتدت من أرز لبنان إلى مناجم الفضة والنحاس في الأناضول. وشهد عهده إرسال السفن إلى أماكن بعيدة بما في ذلك الهند، ورست السفن في موانئ أكاد قادمة من ماجان وميلوخا ودلمون. باختصار، كانت حياة سرجون جديرة بأن يجهد الكُتّاب أنفسهم في تسجيلها لقرون طويلة بعد وفاته.
وعندما تولى حفيده نارام سين الحكم في منتصف القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، كان قد تعلم أهمية الدعاية الشخصية، بل وصل إلى أبعد مما وصل إليه جده، مُعلنًا تأليه نفسه في حياته، وبذلك سنّ سُنّة سار عليها الملوك من بعده.
كان سرجون العظيم ونارام سين أقوى ملكين حكما الإمبراطورية الأكادية. وما إن سقطت الإمبراطورية حتى أصبح اسماهما أسطورة، وصارت أفعالهما نموذجًا يُحتذى.
عصر أور الثالثة (النهضة السومرية)
عندما جاءت السلالة الثالثة التي حكمت أور، حاكى ملوكها أبطال أكاد. وتُعرف هذه الحقبة من التاريخ السومري باسم عصر أور الثالثة، وفيه بلغت مدينة أور قمة مجدها. هذه هي الفترة التي شهدت بناء الزقورة العظيمة التي لا تزال مزارًا سياحيًا هامًا حتى اليوم. كما تعود إلى هذا العصر معظم آثار مباني المدينة وغالبية ألواحها الطينية التي وصلتنا.
زقورة أور: أقدم بناء مدرج في العالم
قبل متابعة الرحلة مع حضارة أور، يجدر بنا التوقف قليلًا للتعرف على زقورة أور، وهي أقدم فكرة للبناء المدرج في العالم، حتى أنها تسبق الأهرامات المصرية وأهرامات بيرو والإنكا في المكسيك. بناها الملك أورنامو من سلالة أور الثالثة عام 2100 قبل الميلاد.
بُنيت زقورة أور بطريقة في غاية الروعة على قاعدة مربعة طول ضلعها 42 مترًا. ترتفع الطبقات المتعاقبة، وهي صلدة ومبنية جميعها من اللَّبِن (الطوب الطيني غير المشوي). وقد كُسيت من الخارج بطبقة سميكة من الآجُر الأحمر المفخور بطريقة هندسية تُسمى "الصبط". يميل البناء إلى الداخل كلما ارتفع إلى الأعلى، مما يُعطي الناظر خدعة بصرية ليبدو أعلى من ارتفاعه الحقيقي.
تتألف الزقورة من ثلاث طبقات وثلاثة سلالم، كل منها مؤلف من مئة درجة. كان ارتفاع الزقورة عند بنائها 26.5 مترًا، أما الآن فهو 16.5 مترًا. ولم يتبق منها حاليًا سوى الطبقة الأولى وأجزاء من الثانية، بينما اختفت الثالثة والمعبد العلوي بسبب عوامل التعرية.
توجد في الزقورة ومن كل جوانبها فتحات تُسمى "العيون الدامعة". هذه الفتحات الممتدة لهيكل الزقورة الداخلية تُستخدم لاستخراج مياه الأمطار وتصريفها عبر الأنابيب، حيث يخرج ماء المطر كما تخرج الدموع من العيون.
كما تحتوي الزقورة على 16 مقبرة ملكية شُيدت من الطوب واللبِن، وفي كل مقبرة بئر. وعند موت الملك، كانت تُدفن معه جواريه بملابسهن وحليهن، بعد قتلهن بالسم عند وفاته.
أما عن سبب بناء الزقورة، فالإجابة مجرد اجتهادات من العلماء؛ فقيل إنها بُنيت لتكون معبدًا للمعبودة إنانا، آلهة القمر حسب المعتقدات السومرية. وهناك من يرى أن بناء الزقورة يرجع إلى الخوف من الفيضانات، أو لكون السومريين عاشوا في الجبال سابقًا وخلال العصور الجليدية نزحوا إلى السهول، فبنوا الزقورة بهذا الشكل متأثرين بالحياة الجبلية.
من المؤسف حقًا أن هذه المنطقة، رغم دخولها قائمة التراث العالمي وكونها أيقونة تاريخية وحضارية لبلاد الرافدين ومعلمًا أثريًا وسياحيًا يجذب السياح من كل أنحاء العالم، إلا أن الكثير من مواقعها الأثرية قد طُمر بسبب الإهمال وعدم مواصلة العناية بها.
قمة المجد والسقوط
شهدت أور أعظم عصورها في عهد سلالة أور الثالثة، وهو عصر الحضارة والنهضة الذي تفوقت به على كل البلاد المجاورة.
كان أورنامو وابنه شولغي أعظم ملوك هذه السلالة، وهما من أنشأ المجتمع الحضاري الذي كرس نفسه للتقدم الثقافي والتفوق، وبدأ بذلك ما يُعرف بعصر النهضة السومرية. كتب أورنامو أول نظام قانوني في البلاد، ليسبق بذلك حمورابي البابلي وشريعته بنحو ثلاثة قرون. حكم أورنامو المملكة وفق نظام أبوي هرمي، وكان هو الأب الذي يقود أبناءه نحو الرخاء والازدهار. وفي عهده بُنيت زقورة أور العظيمة، وازدهرت التجارة وشهدت المدينة تشجيعًا لكل الفنون والتقنيات التي اشتهر بها السومريون.
وعندما تولى شولغي الحكم، سار على نهج أبيه، بل سعى إلى التفوق عليه، فانتهج نفس نهجه السياسي وحسنه حيثما رأى ذلك مناسبًا. ويُعتبر شولغي أعظم ملوك سلالة أور الثالثة من الناحية الحضارية التي وصلت إلى قيمتها في عهده.
قام شولغي بالعديد من الإنجازات العمرانية، ومنها سور طوله نحو 250 كيلومترًا على حدود سومر، أنشأه لإبعاد قبائل المارتو أو التدنومة (القبائل التي يُعرفها قارئو الكتب الدينية المسيحية اليوم باسم الأموريين). حافظ ابن شولغي ثم حفيده ثم ابن حفيده على هذا السور، لكنه فشل أخيرًا في منع القبائل من دخول بلاد سومر، إذ كان طويلًا أكثر من قدرة البلاد على تحصينه بالرجال، إضافة إلى انفتاحه على فراغ من كل طرفيه، ما سمح للغزاة بعبوره بمجرد الالتفاف من حوله.
في نهاية المطاف، اخترقت مملكة عيلام المجاورة هذا السور واحتلت جيوشها أور وأسرت ملكها الأخير نحو عام 1750 قبل الميلاد، أو 2004 قبل الميلاد على الأرجح. بعدها، امتزج الأموريون الذين كانوا قد عبروا السور بسكان بلاد سومر، وبهذه الطريقة وصلت الثقافة السومرية إلى نهايتها حالما سقطت أور.
ما بعد السقوط: أور في العصور اللاحقة
خلال العصر البابلي القديم (نحو 2000 إلى 1600 قبل الميلاد)، استمرت أهمية مدينة أور، وبقيت مركزًا للتعليم والثقافة. فقد حرص ورثة أور من ملوك إيسن ولارسا على إظهار احترامهم لمعبودات أور بتعمير معابدها الخربة، وكذلك فعل الملوك الكاشيون الذين خلفوهم ثم الملوك الآشوريون الذين تلوهم.
ظلت أور مسكونة حتى الحقبة المبكرة من العهد الأخميني (550 إلى 330 قبل الميلاد)، لكن سكانها كانوا يهاجرون منها الواحد تلو الآخر بسبب التغير المناخي وإنهاك التربة، فكانوا يذهبون إلى شمال العراق أو جنوبًا نحو أرض كنعان. ويُذكر أن النبي إبراهيم عليه السلام كان من بين هؤلاء المهاجرين كما يرى البعض.
تضاءلت أهمية أور ببطء مع انحسار سواحل الخليج العربي عنها جنوبًا، حتى خربت المدينة وأضحت أطلالًا نحو عام 450 قبل الميلاد.
أور والنبي إبراهيم
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام هذه النقطة الهامة: هل كانت أور هي مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام حقًا؟
الواقع أنه تم ذكر مدينة أور في الكتب الدينية المسيحية باسم "أور الكلدانية" باعتبارها موطن أب الأنبياء إبراهيم عليه السلام، والذي يُعتقد أنه عاش في الألفية الثانية قبل الميلاد ونشأ في أور قبل أن يهاجر مع عائلته منها. لكن هذا التفسير محط أخذ ورد.
فهناك من الباحثين من يرى أن موطن إبراهيم كان أورا قرب حران الواقعة شمالي بلاد الرافدين، وأن مُدَوّني سفر التكوين في الكتاب المقدس خلطوا بين المكانين.
أيا كان الأمر، فهذا لا ينفي أهمية أور الدينية، خاصة أنه خلال أعمال التنقيب التي قام بها ليونارد وولي في أوائل القرن العشرين، وُجد ختم نسطواني في المجمع المجاور لمعبد الزقورة يحمل اسم إبراهيم. وقاده هذا إلى الاعتقاد بأن المجمع الذي يعود تاريخه إلى حوالي سنة 1900 قبل الميلاد كان منزل النبي إبراهيم عليه السلام.
الاكتشافات والتنقيبات الأثرية
مع اضمحلال حضارة أور، ظلت المدينة مدفونة تحت الرمال حتى زارها بيترو ديلافاليه سنة 1625 للميلاد، فلاحظ نقوشًا غريبة على الطابوق عُرف لاحقًا أنها تمثل مقاطع الكتابة المسمارية، إلى جانب صور على تحف هي أختام نسطوانية كانت تُستعمل لتحديد الممتلكات أو للتوقيع على الرسائل.
في عامي 1853 و1854 للميلاد، بدأت أول عملية تنقيب في الموقع قام بها جون جورج تايلور لصالح المتحف البريطاني. وقد لاحظ عددًا من مجمعات المقابر، فاستنتج أن الموقع قد يكون مدينة أموات بابلية.
أما التنقيبات الأثرية المهمة في أطلال أور، فهي التي تمت بين سنتي 1922 و1934 للميلاد على يد السير ليونارد وولي، الذي عمل نيابة عن المتحف البريطاني وجامعة بنسلفينيا. ومن بين ما اكتشفه وولي كانت "حفرة الموت العظمى"، وهي أكبر القبور التي اكتشفها، حيث وجد فيها ستة حراس مدججين بالسلاح و86 خادمة، يرتدين أشرطة من الذهب والفضة جمعن بها شعورهن، ما عدا واحدة منهن كانت لا تزال تحمل بين يديها شريطها الفضي الملتف الذي لم تستطع ربطه قبل أن تسقط بتأثير الجرعة المنومة التي حملتها دون ألم إلى العالم الآخر برفقة سيدتها.
كما عثر وولي أيضًا على "راية أور الملكية" التي خلدت ذكر انتصار المدينة على أعدائها في الحرب والاحتفالات التي استمتع بها شعبها في السلم.
وزعم وولي أنه عثر على دليل في أور يؤكد قصة طوفان نوح، في محاولة منه للتفوق على اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في مصر. لكن الملاحظات التي سجلها مساعده ماكس مالوان أظهرت لاحقًا أن سجل الطوفان في الموقع لا يدعم بأي شكل من الأشكال طوفانًا عالميًا، بل كان أقرب إلى الفيضانات العادية التي سببها نهرا دجلة والفرات. وقد أيدت التنقيبات الأثرية التي أُجريت في أور ملاحظات مالوان، وما زالت الأدلة الداعمة لقصة طوفان نوح العظيم غائبة في أور كما في باقي مناطق العراق.

التعليقات (0)