من قلب بلاد الرافدين
كيف تبدأ مشروع أونلاين في ساعة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ (تجربة عملية)

كيف تبدأ مشروع أونلاين في ساعة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ (تجربة عملية)

الربح من الذكاء الاصطناعي


هل يُعقل؟ بناء "بيزنس" كامل في أقل من ساعة باستخدام الذكاء الاصطناعي.. تجربة حقيقية

هل تظن أنه من الممكن، في ظل التطور التكنولوجي والسرعة الرهيبة التي وصلنا إليها اليوم، أن يساعدني الذكاء الاصطناعي (AI) في بناء مشروع تجاري كامل (Business) في أقل من ساعة واحدة؟

الفكرة قد تبدو للوهلة الأولى مستحيلة، أو غير منطقية بالمرة، وهذا التناقض هو بالضبط ما دفعني للتفكير فيها. لكنني قررت ألا أكتفي بالتفكير، بل أن أخوض التجربة عملياً. قررت أن أبدأ هذا التحدي بدون كتابة أي أكواد برمجية، وبدون أي تصميمات جرافيك معقدة، وحتى بدون رأس مال كبير. باختصار، سأحاول البدء بأقل الإمكانيات التي يمكن لأي شخص أن يبدأ بها، لأن هذه هي المعضلة التي تواجه 90% من الناس تقريباً عندما يقررون البدء في مشروع خاص؛ يسيطر عليهم وهم أن "الموضوع صعب ومعقد".

فإذا كنت تظن أن الأمر صعب فعلاً، أحب أن أقول لك إن الموضوع الآن أصبح أسهل مما تتخيل بمراحل. ولكي أثبت صدق كلامي، قررت أن أضع نفسي تحت الاختبار.

بداية التحدي: السباق ضد الزمن                       

وضعت مؤقتاً (Timer) بجانبي أثناء العمل لنرى في كم من الوقت سينتهي المشروع. التحدي المفروض هو أن يبدأ الآن، وقد ضبطت المؤقت لمدة ساعة واحدة فقط، والمفترض أن أنهي فيها المشروع بالكامل.

وبالطبع، لكي نتمكن من إنجاز شيء كهذا، سنستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي لتختصر علينا كل هذا الوقت. ولكي نكون عادلين، سنقوم بتشغيل المؤقت فقط في الأوقات التي نستخدم فيها أدوات الـ AI والعمل الفعلي. ولو انقضى الوقت كله ولم يصبح المشروع "لايف" (متاحاً للجمهور)، فإن التحدي يعتبر فاشلاً.

بصراحة، في البداية كنت متوتراً قليلاً، وراودتني شكوك بأن الفكرة ستفشل لأنني واجهت عدة عقبات، لكن لم يكن أمامي سوى حلين: إما أن تنجح الفكرة ويخرج المشروع للنور، وإما أن يُرمى هذا الفيديو ومجهوده في سلة المهملات.

تغيير المفاهيم: ماذا تحتاج حقاً لتبدأ؟

قبل أن نبدأ العمل الفعلي، دعني أشرح لك ما كان يدور في عقلي وقتها. قديماً، عندما كنت أريد البدء في "أونلاين بيزنس"، كنت معتقداً أنه يجب عليّ تعلم البرمجة، وإتقان الفوتوشوب، واحتراف التسويق. هذا التفكير كان يعطلني كثيراً، أو بمعنى أصح يحبطني.

لكن ما فهمته بعد سنوات من العمل في هذا المجال، هو أنك لكي تؤسس أي عمل عبر الإنترنت، لا تحتاج سوى لأربعة أركان أساسية:

  1. وسيلة استلام الأموال: بديهياً، تحتاج لحساب بنكي أو طريقة تستلم بها أرباحك (إنستا باي، باي بال، فودافون كاش، إلخ). ولا أظن أن هذا الأمر صعب على أحد الآن.

  2. الحل (المنتج أو الخدمة): تحتاج لامتلاك حل لمشكلة معينة أو مهارة تبيعها للناس. بالتأكيد لن أقوم بتحويل الأموال لحسابك لمجرد أنك شخص محترم، بل مقابل قيمة تقدمها. هذه النقطة تعتمد على اجتهادك الشخصي وشطارتك، سواء كانت خدمة تبيعها أو منتجاً رقمياً، وهما أسهل نقطتي انطلاق.

  3. وسيلة التواصل: طريقة لتتواصل بها مع الجمهور، مثل السوشيال ميديا (تيك توك، فيسبوك، أو غيرها).

  4. المكان (صفحة الهبوط - Landing Page): المكان الذي ستستضيف فيه الناس المهتمين بما تبيعه، ليروا شغلك وتفاصيله. وهذه الخطوة لم يعد هناك أسهل منها في زمننا هذا، وسأخبرك كيف تفعلها.

البحث عن المنتج: ماذا سأبيع ولمن؟

وسيلة الدفع أمرها سهل، وطريقة التواصل ستكون عبر صناعة المحتوى على تيك توك أو إنستجرام، والتواصل المباشر عبر واتساب. المشكلة الحقيقية كانت: أنا سأسوق لأي شيء؟ أو سأبيع ماذا أصلاً؟

لكي تبيع، يجب أن تمتلك حلاً لمشكلة يعاني منها شخص معين. فالسؤال الصحيح هنا: "سأبيع ماذا.. ولمن؟". وقفت قليلاً للتفكير، لم يكن لدي وقت للبحث عن عميل جديد ودراسته. فبدأت أبحث في مهاراتي: ما الذي أجيده ويمكن بيعه لشخص محدد؟ ولأن أسهل شخص يمكن أن تبيع له هو "نفسك القديمة"، قررت أن ألعب على هذا الوتر.

شغلت المؤقت وبدأت أدردش مع "Chat GPT". قلت له: "من خلال معرفتك بي وبما حكيته لك عن ماضيّ، ما هو المنتج أو الخدمة التي يمكنني بيعها؟". كالعادة، بدأ يمدحني ويعدد مهاراتي: "أنت متعدد الشغف، تجيد التصوير، المونتاج، التسويق، الكتابة، التعليق الصوتي...". قاطعته قائلاً: "يا صديقي، لا أريد كل هذا. ليس لدي وقت لتقديم خدمات تتطلب مجهوداً وقتياً حالياً. أريد شيباً يبيع نفسه بمجرد أن أسوق له".

قال لي: "إذن، استخدم أي قالب (Template) قديم لديك وحوله لمنتج يمكن لأي شخص استخدامه، أو اصنع ملف PDF به قيمة كبيرة ويحل مشكلة".

هنا لمعت الفكرة! اكتشفت أنني أمتلك بالفعل منتجات وقوالب جاهزة على تطبيق "Notion" أستخدمها لنفسي واستفيد منها. فلماذا لا أبيعها لـ "وليد القديم"؟ لماذا لا أبيع هذا النظام الذي ينظم عملي لشخص يحتاجه؟ وجدت أن لدي "مصنع المحتوى" الذي أدير به القناة، وهو قالب جاهز يمكن لأي أحد شراؤه، لكن كان ينقصه أن أحوله لـ "نظام متكامل" يفهمه أي مستخدم.

أوقفت المؤقت (كان قد مر حوالي 10 دقائق). جلست أعدل على القالب، أضفت صفحات للشرح، وفيديوهات تعليمية (Tutorials)، وحاولت إضافة قيمة أكبر من مجرد أدوات؛ مثل: كيف تبني براند شخصي، كيف تكتب سكريبت، ما هي أدوات المونتاج التي أستخدمها، ومن هم الأشخاص الذين أتابعهم للتعلم. ظللت أعمل عليه حتى تأكدت أن لدي منتجاً حقيقياً قادراً على إفادة الناس وحل مشكلاتهم. وقررت عمل خصم عليه ليصبح بـ 499 جنيهاً بدلاً من 1000، لكي يجد الناس قيمة أكبر من السعر المدفوع، خاصة لو كانوا يتعاملون معي لأول مرة.

العقدة الكبرى: صفحة الهبوط (Landing Page)

الآن، جهزنا المنتج وعرفنا لمن سنبيعه. والحقيقة أن هذا كان الجزء السهل. التحدي الأصعب، والذي يقف عقبة أمام 90% من الناس، هو: كيف سيعرف العميل هذا المنتج ويشتريه؟ أنا لا أتحدث عن التسويق عبر الفيديو، بل عن المسار التقني. تخيل نفسك مكان المشتري: رأيت فيديو لي على تيك توك أتحدث فيه عن "مصنع المحتوى" وكيف ساعدني للوصول للملايين، لكنك لا تعرفني. كيف سأحولك من مشاهد إلى مشترٍ؟

المفترض أن تدخل على البروفايل، وتضغط على الرابط في "البايو"، لتنتقل إلى صفحة تشرح لك كيف سيحل هذا المنتج مشكلتك. هذا ما يسمى بـ "صفحة الهبوط" (Landing Page). ولكي تنشئ صفحة كهذه، كنت تحتاج سابقاً لعمل موقع إلكتروني، وهو ما يتطلب تعلم برمجة وتصميم وكودينج.. "ليلة كبيرة جداً". أو أن تذهب لمبرمج وتدفع تكلفة مادية كبيرة وتنتظر وقتاً طويلاً. موقعي الأساسي مثلاً، بعيداً عن المبلغ الخرافي الذي دفعته فيه، استغرق مني أكثر من شهر. وأنا هنا أريد بناء البيزنس كله في أقل من ساعة! لا وقت للتعلم ولا وقت للانتظار.

الحل السحري: الذكاء الاصطناعي يبني الموقع

قررت الاستعانة بالمعلم "Chat GPT" مرة أخرى وسألته: "ما هي أسرع وأسهل طريقة لعمل Landing Page بدون خبرة في الكودينج؟". كان أول مقترح له هو منصة تسمى "Hostinger Horizon AI". والمفاجأة أن هذه هي نفس المنصة التي أستضيف عليها موقعي، لكنني لم أكن أعلم بوجود هذه الأداة لديهم. في البداية ظننت أن الموضوع سيكون بدائياً، لكن عندما دخلت ورأيت النماذج، كان الأمر مرعباً!

دخلت بصفتي عميلاً، وحصلت منهم على كود خصم (DocWaleed) يعطي خصماً يصل لـ 86%، ما يجعل التكلفة حوالي 2.75 دولار في الشهر (بثمن كوب قهوة)، بالإضافة لدومين مجاني وإمكانية عمل 50 موقعاً.

اشتركت في خدمة Horizon AI، وقلت: "لنرى ما الذي سيحدث". وأقسم بالله العظيم، الموضوع غير طبيعي.. مرعب!

تنفيذ الموقع في دقائق

شغلت المؤقت مرة أخرى. ذهبت لـ Chat GPT وقلت له فكرة المشروع ببساطة: "عندي منتج أسمه (مصنع المحتوى)، ساعدني أكتب (Prompt) أو وصف دقيق لأعطيه لـ Horizon AI ليصمم لي الموقع. أريد الصفحة حمراء، تعكس سرعة الصاروخ، وتركز كلياً على المنتج".

أعطاني Chat GPT الوصف بالإنجليزية. لكنني فكرت: "لو وضعت الوصف بالإنجليزية، سيخرج الموقع بالإنجليزية، وأنا أريد مخاطبة العميل بلغته (العربية/المصرية)". لذا طلبت منه تحويل الوصف للهجة المصرية. أخذت الوصف العربي، وذهبت لـ Horizon AI ووضعت النص.

هذه العملية أخذت حوالي 10 دقائق (إجمالي 20 دقيقة حتى الآن). بدأ الذكاء الاصطناعي في "التفكير" والمعالجة، وبدأ يكتب الكود بنفسه. ثلاث دقائق بالضبط.. وكان الموقع جاهزاً!

ما زلت مصدوماً من النتيجة حتى الآن. الموقع خرج بتصميم أفضل مما رسمته في خيالي. بدأت مرحلة التعديل، وهنا تكمن العظمة؛ التعديل لا يتم بالكود، بل بالدردشة! كأنك تتحدث مع شخص.

  • "أريد إضافة صورة هنا".. أرفعها له ويضعها.

  • "اجعل هذا الزر يوجه العميل لرقم الواتساب".. ينفذ فوراً.

  • "غيّر اللوجو"، "كبر خط هذه الكلمة مرة ونصف"، "وسع المسافة بين السطور".

كل شيء يتم عبر الشات (Chat) وبنظام السحب والإفلات (Drag and Drop). لم أكتب سطراً برمجياً واحداً، ليس لأنني محترف، بل لأنني لا أعرف كيف أكتب كوداً أصلاً! أخذ التعديل وترتيب التصميم حوالي نصف ساعة. وفي النهاية، وجدت نفسي أمام موقع احترافي كامل لا أصدق أنني من صنعه.

النهاية: 53 دقيقة فقط

من يفهم في مجال "الأونلاين بيزنس" سيعلم أن ما وصلنا إليه هو "رعب". بناء Landing Page بأسس صحيحة و"Storytelling" مقنع كان يستغرق وقتاً وجهداً ومالاً، وكان يتطلب مهارات متعددة (كتابة محتوى، تصميم، برمجة). الآن، الذكاء الاصطناعي كتب المحتوى، وصمم، وبرمج.

المشروع بالكامل استغرق مني حوالي 53 دقيقة. بعد أن كان الأمر كابوساً، أنهيت صفحة الهبوط التي كانت تأخذ أياماً في أقل من ساعة، وأصبحت "لايف" جاهزة لاستقبال العملاء.

لم يعد لديك عذر

الآن، تخيل معي مدى سهولة الأمر. كل ما تحتاجه لتبدأ هو: منتج أو خدمة، وسيلة دفع، صفحة هبوط، وطريقة للوصول للناس. باختصار، أنا الآن أملك "بيزنس" كامل متكامل دون تعلم البرمجة أو التصميم ودون توظيف فريق عمل.

هنا بدأت أشعر أن قواعد اللعبة تغيرت تماماً. قديماً كنا نحتاج لشهور لإطلاق نسخة أولية (MVP)، الآن في ساعة واحدة يمكنك إطلاق شيء حقيقي وعرضه على الناس. كل ما علي فعله الآن هو صنع فيديوهات على تيك توك وتوجيه الناس لهذه الصفحة.

وهذا يقودني لسؤال مهم لك: لو كنت أنا اليوم قادراً على عمل منتج رقمي وتسويقه وبيعه في ساعة، ما هو العذر الذي لا يزال يوقفك؟ أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع. ما الذي يمنعك من أخذ الخطوة الأولى؟ ربما ساعدني وجود قوالب قديمة لدي، لكنني واثق أن كل شخص فينا لديه شيء من ماضيه يمكنه أن يساعد به غيره. ولو كانت لديك الفكرة جاهزة، يمكنك البدء في أقل من يوم.

صدقني، نحن في زمن لا يوجد فيه أي مبرر لعدم النجاح، أو على الأقل لعدم المحاولة. العائق ليس الفكرة، ولا طرق الدفع، ولا التسويق، ولا الموقع الإلكتروني. ستقول لي: "أنتظر شراء كاميرا، أنتظر المايك، أنتظر تعلم البرمجة".. كل هذه حجج. الأدوات متاحة وبأرخص الأسعار (تكلفة الموقع لا تتعدى ثمن كوب قهوة).

العائق الوحيد المتبقي في طريقك الآن هو "أنت". أنت العائق الوحيد أمام نجاحك. لذلك، لا تنسَ أن تحب نفسك، وابدأ الآن.

Moamin Bio

Moamin Bio

كاتب في المدونة، شغوف بمشاركة المعرفة والقصص من قلب بلاد الرافدين.

التعليقات (0)

اشترك في نشرتنا البريدية

ليصلك كل جديد من مقالاتنا مباشرة إلى بريدك، بلا إزعاج.

✔ تم الاشتراك بنجاح، أهلاً بك في عائلة رافدين!